الكويت - غانم السليمانيفي كل صيف، تعيد الطبيعة كتابة واحدة من أهم قصصها وأكثرها غرابة.آلاف الطيور البحرية تغادر سواحل الهند وشرق آسيا، قاطعةً مسافات شاسعة فوق البحار ومضيق هرمز المهدد بالإغلاق أمام البشر ، لتصل إلى جزيرة كبر الكويتية، حيث تبدأ دورة جديدة من الحياة، فتتزاوج وتضع بيوضها وتربي فراخها قبل أن تعود أدراجها مع انتهاء الصيف.هجرة تعبر القارات إلى جزيرة كبرقد تبدو هذه الرحلة، للوهلة الأولى، مجرد هجرة موسمية اعتادت الطيور القيام بها، لكنها في الواقع تمثل أسراراً بيئية معقدة حافظت على انتظامها عبر آلاف السنين، وتعكس دقة التوازن بين الكائنات الحية وموائلها الطبيعية.وسط تراجع أعداد الطيور المهاجرة بسبب التغير المناخي، وفقدان البيئات الطبيعية، والتلوث البحري، تكتسب المواقع التي لا تزال قادرة على استضافة هذه الطيور أهمية استثنائية، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل ضمن شبكة الهجرة العالمية التي تربط القارات بعضها ببعض.View this post on InstagramA post shared by Annahar Al Arabi ()وفي هذا الإطار، برزت جزيرة كبر، الواقعة في المياه الإقليمية الكويتية، باعتبارها واحداً من أهم مواقع تكاثر الطيور البحرية في الخليج العربي، بعدما وثّق فريق عدسة البيئة الكويتية وجود نحو ألفي طائر من الخرشنة تنتمي إلى أربعة أنواع رئيسية هي: الخرشنة المتوجة الكبيرة، والخرشنة المتوجة الصغيرة، والخرشنة الملجنة، والخرشنة بيضاء الخد.حياة يومية داخل مستعمرة الخرشنةوخلال الجولة الميدانية التي نظمها الفريق وشاركت بها النهار، بدت الجزيرة وكأنها مدينة صغيرة للطيور؛ آلاف الأجنحة تتحرك في السماء، وعشرات الأعشاش المنتشرة فوق الرمال، وأفراخ خرجت حديثاً من البيوض، وأخرى ما زالت تختبئ بين الأصداف والرمال، فيما يتناوب الأبوان على حمايتها وإطعامها في مشهد يعكس نظاماً اجتماعياً بالغ الدقة والتعاون.ويقول عضو الفريق عمر السيد عمر إن هذه الطيور تصل إلى الجزيرة خلال شهر أيار-مايو من كل عام، قادمة من الهند وشرق آسيا، لتبدأ مباشرة موسم التزاوج والتكاثر، قبل أن تغادر غالبية الأسراب مع نهاية آب-أغسطس، في رحلة هجرة سنوية حافظت على انتظامها عبر آلاف السنين.ويشير إلى أن الخرشنة من أكثر الطيور حساسية لأي نشاط بشري، إذ قد يؤدي اقتراب الأشخاص من الأعشاش أو التسبب بإزعاج الطيور إلى هجرها مواقع التعشيش بالكامل، وهو ما يهدد بفشل موسم التكاثر. لذلك، فإن المحافظة على هدوء الجزيرة خلال هذه الفترة تمثل أحد أهم عناصر نجاح الدورة الطبيعية لهذه الطيور.ولا تتوقف أهمية جزيرة كبر عند كونها محطة هجرة، بل تمتد إلى خصائصها البيئية الفريدة. فالشعاب المرجانية التي تطوقها من جميع الجهات تشكل نظاماً بيئياً غنياً يوفر موطناً للأسماك الصغيرة والقشريات والكائنات البحرية التي تعتمد عليها طيور الخرشنة غذاءً رئيسياً، فيما تمنح الشواطئ الرملية المفتوحة الطيور مساحة واسعة وآمنة لوضع البيوض.وعلى خلاف كثير من الطيور، لا تبني الخرشنة أعشاشاً معقدة، بل تضع بيوضها مباشرة على الرمال أو بين الأصداف والحصى، معتمدة على التمويه الطبيعي الذي يجعل اكتشاف البيوض أمراً بالغ الصعوبة.