صبري الرابحي - تونسانطلقت منذ أيام قليلة نهائيات كأس العالم لكرة القدم، لعبة الفقراء التي تعرف طريقها إلى قلوب الجماهير وتذكّر الشعوب بإنتماءاتها في كل الاتجاهات وتحوّل الاختلاف إلى تلاقٍ، يُصلح فيه الجلد ما أفسدته أيادي صانعيه...إنطلقت إذن في تنظيم ثلاثي مشترك بين المكسيك وكندا والولايات المتحدة الأميركية لتتجه الأنظار جميعها إلى أميركا الشمالية، لمواكبة أهم حدث رياضي في العالم، والذي وإن كان تقليداً تاريخياً لمنافسات اللعبة إلا أنه يتجاوز ذلك ليتحول إلى أرضية للرسائل السياسية.-مشاركة المعسكرات:تاريخياً جمعت مباريات كأس العالم أقطابه في مباريات عدة وجعلت التناقضات السياسية وتضارب المصالح تغزو الملاعب هي أيضاً، وأهمها مواجهة المنتخب الأميركي للمنتخب الإيراني خلال مونديال فرنسا 1998 وما سبقها من توترات وتركيز إعلامي يتجاوز مجرد مباراةٍ لكرة القدم.أيضا المباراة التاريخية بين منتخب انكلترا والأرجنتين في أعقاب حرب فوكلاند والتي انتهت بيدٍ من الله، والتي صنعت هدف مارادونا التاريخي لتحوّل تسعين دقيقة من اللعب الجماهيري إلى أحد ضروب المواجهة والثأر والاقتصاص رياضياً من الآخرين، وتحويل المواجهة إلى ملحمة أخرى خارج أروقة القصور والحكام حيث تتخذ قرارات السلم والحرب.هذه السنة لا تخلو هذه المسابقة من الصراعات السياسية التي تُظهرها المنتخبات رياضياً، بحيث شكل وجود المنتخب الإيراني على أرض الولايات المتحدة الأميركية في ذاته مبعثاً للأزمة، خصوصاً بعد جملة التضييقات التي أظهرتها أميركا حيال ضيوفها، والتي حاولت أن توهم العالم بأنها لا تستثني أحداً، في حين أنها كانت انعكاساً حقيقياً للمواجهة المباشرة بين البلدين في توقيت حاسم من الصراع التاريخي المتجدّد بينهما، والذي لم تنجح لا المسؤولية التنظيمية ولا الميثاق الرياضي في إخفائه. وظهرت الرسالة الأميركية للعلن بأن الإيرانيين غير مرغوب فيهم على أرضنا.-صراع الهوية: سجدة لامين يامالأثارت تعبيرة نجم منتخب إسبانيا ذو الأصول المغربية لامين جمال، والذي أسقطت التنشئة الإسبانية حرف الجيم من أسمه كما أسقطت الأندلس وحاربت المورسكيين، تلك التعبيرة التي أثارت الكثير من الجدل في أوساط اليمين المتطرف الصاعد في قطاعات واسعة من أوروبا والتي أعادت الجدل حول البعد الهووي داخل اللعبة.لامين يامال وإن لم يكن الاستثناء أمام تيار واسع من الهجمات على الآراء الفكرية والعقائدية للاعبي كرة القدم في أمجد منافساتها، فإنه مثل هذه المرة محور الجدل القديم المتجدد حول الإسلاموفوبيا وتنازع أجيال المهجر.فمنتخبات عدة شكلت لسنوات حاضنة لأبناء المهاجرين الذين صاروا بدورهم تياراً غالباً داخل منتخبات مهمة مثل فرنسا وألمانيا، أصبحت اليوم تتصيّد الفرصة لتكشف عن امتعاضمريديها من اليمينيين لاجتياح العديد من الأعراق منتخباتها، متناسية أنها قد صنعت خلال سنوات عدة هذه الفسيفساء العرقية التي يتوجب أن تتكسر الفوارق بينها على أعتاب المسألة الوطنية في كل الاتجاهات، وأن تستيقظ من وهم التفوّق الذي لم يعد يصدقه أحد.شكلت إذن سجدة لامين يامال حافزاً جديداً لطرح مسيحية إسبانيا وتركيبتها الديموغرافية، وكشفت من جديد أن التيارات اليمينية لاتزال تعتمد هذه التصنيفات البالية حتى في الرياضة التي يفترض فيها أن تكون مدعاة للحد الأدنى من حرية التعبير وتقبل الآخر متى ما كانت تعبيرته ملتزمة الميثاق الرياضي، لا أن نخنق حرية نجم برشلونة اليافع الذي رفع عالياً راية فلسطين في أعقاب احتفال فريقه بإحراز الدوري والتفوّق على نادي التاج الملكي وهو ما لم ينسه صائدو الاختلافات.-مرمى إيران المحروسة هنا وهناك:في وقت حساس من تاريخها، أوفدت إيران منتخبها لكرة القدم إلى فضاء المونديال المحرّم، كناية عن الفيتو الأميركي على حلول الفريق على أراضيه في مخالفة صارخة لـالإيتيكا التنظيمية ومقتضيات حسن الضيافة لبلد طلب بإرادته أن يكون قبلة لمختلف الجنسيات واستقبال اللعبة الغوغائية على رأي الإنكليز قبل تدوين قوانينها.ورغم محاولات الإرباك وإجبار المنتخب الإيراني على الإقامة في مدينة تيخوانا المكسيكية، وتكبيده عناء التنقل إلى كل من لوس انجليس وواشنطن إلا أن المفارقة تكمن في أدائه الرياضي المبهر.ففي خضم هذه النسخة التي تميزت بحالة مطرية استثنائية من الأهداف، خرج المنتخب الإيراني بثلاث تعادلات وثلاثة أهداف في شباكه وثلاث نقاط، لم تسمح له بمواصلة الرحلة للأسف، لكنها حصيلة تاريخية تتزامن مع تاريخية الاتفاق حول المشروع النووي الإيراني.فحراسة المرمى الإيرانية على أرض الولايات المتحدة بالذات كانت مهمة قومية للاعبين اختاروا أن يوصلوا للعالم تلك الصورة المتداولة لكامل خط الدفاع وراء حارس المرمى، والتي انتشرت سريعاً في العالم ووجدت طريقها إلى الحرب الكلامية للساسة بأن اعتبرها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في أحد تعليقاته على وسائل التواصل الاجتماعي طريقة الإيرانيين في حماية أرضهم.ليكون هذا المونديال عنواناً لتعبيرات عدة بين المختلفين، وفرصة لإظهار الرسائل السياسية ومواجهة التيارات السياسية لتناقضاتها، في مواجهة قضايا كان لابد من تجاوزها مثل حرية التعبير وحقوق المهاجرين وتقبّل الآخر وبخاصة تحييد اللعبة عن كل نزاعات وصلت في أقصاها إلى المواجهة المسلّحة والتي كان لا بدّ من أن تغيب تمظهراتها عن ملاعب كرة القدم.عدا ذلك، فقد استغل كل طرف فعاليات الحدث لإظهار المانيفستو الذي يخفيه أمام الملايين من الجماهير التي تلقفت الرسالة داخل الملاعب وخارجها، وألقت بها إلى ملاعب أوسع حيث الحكم الحقيقي هو الطرف الأقوى في المعادلة وليس من يحمل صافرة المباراة.