بعد نحو أربعة عقود على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رشيد كرامي في 1 حزيران 1987، يعود واحد من أكثر الملفات التباساً في تاريخ لبنان الحديث إلى الواجهة من جديد، ليس عبر إعادة فتح قضائي، بل عبر شهادات أمنية وروايات سياسية متناقضة تعيد طرح السؤال من نقطة الصفر: من قرّر، ومن نفّذ، وأين تنتهي الحقيقة في ظل حقبة النفوذ السوري وتعقيدات الحرب اللبنانيّة، رغم حكم قضائي اعتُبر حاسماً ولم يُنهِ الجدل حوله؟رواية نبيل دندل: النفوذ السوري واغتيالات كبرى في لبنانوفق ما يُنسب إلى العميد السوري المنشق نبيل دندل في تصريحات متداولة، فإن مرحلة الوجود السوري في لبنان خلال الحرب اللبنانيّة وما بعدها لم تكن مجرد وجود نفوذ سياسي، بل منظومة أمنية متكاملة لإدارة القرار اللبناني ميدانياً وسياسياً.يضع دندل في روايته مسؤولية إدارة الساحة اللبنانية فعلياً بيد رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري في لبنان آنذاك، اللواء غازي كنعان، الذي كان ممسكاً بالتفاصيل الأمنية والسياسية، من التعيينات إلى التحالفات، وصولًا إلى التعامل مع الخصوم.ويقول إنّ منطق العمل في تلك المرحلة كان يقوم على قاعدة ضبط الساحة بالقوة الأمنية عند الحاجة، لمنع أي مسار سياسي خارج الفلك السوريوعن اغتيال كرامي، يعتبر دندل أنّ العملية لم تكن قراراً محلياً لبنانياً، بل جزء من إدارة أمنية سورية للساحة اللبنانية.ويضيف أنّ الهدف السياسي في تلك المرحلة كان منع تشكّل أي تسوية لبنانية مستقلة يمكن أن تقلّص النفوذ السوري، مشيراً إلى أن اغتيال كرامي جاء في سياق تعطيل مسارات سياسية كانت قيد التشكل داخل بيروت.وفي هذا الإطار، يشير الى أنّ التفجير داخل المروحية تم عبر عبوة زُرعت داخل المقعد الذي جلس عليه كرامي، ما أدى إلى انفجارها لحظة الإقلاع.ريفي: ضابط سوري سهّل اغتيال كراميتتوافق هذه المعطيات مع روايات أمنية لبنانية سابقة، من بينها ما يُنسب إلى المدير العام الأسبق لقوى الأمن الداخلي والنائب الحالي أشرف ريفي، الذي تحدّث في أكثر من مناسبة إعلامية، عن تفاصيل يعتبرها مرتبطة مباشرة باليوم الأمني لاغتيال كرامي، واضعاً جزءاً أساسياً من المسؤولية الميدانية على الضابط السوري العقيد محمد اسطمبولي، الذي كان يتولى مسؤولية أمن معرض طرابلس الدولي ومحيطه خلال زيارة كرامي، كما لعب دوراً مباشراً في مسار انتقاله داخل المروحية العسكرية يوم الاغتيال.ويشير ريفي إلى أن كرامي كان متجهاً للصعود إلى مروحية مخصصة لنقله من طرابلس، وأن هناك مروحيتين كانتا في الموقع، الأولى كانت جاهزة ونظرياً الأقرب لنقل كرامي، أما الثانية فكانت لاحقاً مسرح التفجير الذي أدى إلى الاغتيال. ووفق رواية ريفي، فإنّ اسطمبولي تدخّل ميدانياً في اللحظات التي سبقت صعود كرامي، وأبلغ المعنيين بوجود خلل تقني في المروحية الأولى، ما أدى إلى منعه من استخدامها. فتوجّه كرامي إلى المروحية الثانية، واغتيل فور إقلاعها.الدور السوري… بين هندسة النفوذ وحدود الاتهامتضع قراءات سياسية عدّة ملف اغتيال رشيد كرامي ضمن سياق أوسع يتجاوز حدود الجريمة نفسها، ليصل إلى طبيعة الدور السوري في لبنان خلال الحرب اللبنانية وما تلاها.