أعاد الجدل الذي رافق قرار مجلس الوزراء إنشاء شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي فتح النقاش حول النموذج الذي اعتمده لبنان منذ مطلع الألفية لإدارة القطاعات الحيوية. فوزارة الأشغال العامة والنقل دافعت عن القرار، انطلاقا من كونه تطبيق مباشر لقانون إدارة قطاع الطيران المدني الصادر عام 2002، والذي قام أساسا على الفصل بين مهام التنظيم والإشراف والرقابة من جهة، ومهام التشغيل والاستثمار من جهة أخرى، من خلال هيئة ناظمة مستقلة وشركة تتولى الإدارة التشغيلية والاستثمارية للمطار.ولكن القرار أثار نقاشا حول صلاحيات الهيئة العامة للطيران المدني وحدود دور الشركة الجديدة، فيما أكدت الوزارة أن هذا الفصل لا يمس بالدور الرقابي للهيئة، بل يشكل جوهر الإصلاح الذي قامت عليه فلسفة القانون منذ أكثر من عقدين.في الواقع، لم يكن قانون الطيران المدني استثناء، بل جاء ضمن حزمة إصلاحات ارتبطت بمرحلة ما بعد مؤتمر باريس-1 عام 2001، حين تبنت الدولة اللبنانية نموذجا مستوحى من تجارب دولية، يقوم على إنشاء هيئات مستقلة تتولى وضع الأنظمة، ومنح التراخيص، ومراقبة الأداء، وحماية المنافسة، في مقابل إفساح المجال أمام شركات متخصصة لإدارة الأنشطة التشغيلية والاستثمارية.وقد تجسد هذا التوجه في عدد من القطاعات الحيوية، إذ نصت القوانين على إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، والهيئة المنظمة لقطاع الاتصالات، والهيئة العامة للطيران المدني، والهيئة الناظمة لإدارة النفايات الصلبة، إضافة إلى هيئة المنافسة والهيئة الناظمة لزراعة القنب، وذلك بهدف الفصل بين مهام التنظيم والرقابة من جهة، والتشغيل والاستثمار من جهة أخرى، وفق نموذج مستوحى من التجارب الدولية.في قطاع الطيران تحديدا، تأخر تطبيق هذا النموذج أكثر من 20 عاما. فبعد تشكيل الهيئة العامة للطيران المدني العام الماضي، جاء قرار إنشاء شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي لاستكمال البنية التي نص عليها القانون منذ عام 2002، على أساس أن تتولى الشركة تشغيل المطار وإدارة واستثمار مرافقه المختلفة، فيما تحتفظ الهيئة الناظمة بدورها التنظيمي والرقابي.بيد أن نجاح هذا النموذج، كما تشير التجارب المقارنة، يفترض وجود حدود واضحة بين الطرفين، بحيث لا تتحول الهيئة الناظمة إلى جهاز يتدخل في التفاصيل التنفيذية اليومية، ولا تصبح الشركة المشغلة صاحبة قرار منفلت من الرقابة والمساءلة.تجربة الهيئات الناظمة في لبنانويبدو أن السجال الدائر حول مطار بيروت يعكس الإشكالية نفسها التي رافقت تجربة الهيئات الناظمة في لبنان منذ أكثر من 20 عاما.