سلّط تقرير أممي الضوء مجدداً على ظاهرة تجنيد الأطفال في ليبيا بوصفها إحدى أبرز تداعيات الانقسام السياسي الذي تشهده البلاد منذ أكثر من عقد، في وقت تتصاعد فيه المطالب المحلية بإجراء تعديلات تشريعية تُجرّم استغلال القُصّر في النزاعات المسلحة وتشدد العقوبات بحق المتورطين في هذه الجريمة.ولا تقتصر أهمية التقرير على رصد الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال، بل بربطها مباشرة باتساع نفوذ التشكيلات المسلّحة، وتراجع قدرة الدولة على فرض القانون، ما يعيد فتح ملف حماية الطفولة في بلد لا يزال يعاني تداعيات الصراع والانقسام المؤسسي.أرقام مقلقة وانتهاكات متواصلةوفقاً للتقرير، الذي قدّمه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى مجلس الأمن، قبل أيام، تحققت الأمم المتحدة من وقوع 1140 انتهاكاً جسيماً طالت 56 طفلاً في ليبيا خلال عام 2025، وشملت القتل والإصابة والتجنيد والاحتجاز ومنع وصول المساعدات الإنسانية.وفي الوقت الذي أظهرت الأرقام أن المخلّفات المتفجرة لا تزال تمثل الخطر الأكبر على الأطفال، جرى توثيق حالات تجنيد واستخدام أطفال في النزاعات المسلحة، إلى جانب احتجاز آخرين بسبب ارتباطهم المزعوم بجماعات مسلحة.ونسب التقرير عمليات تجنيد الأطفال إلى جماعات مسلّحة متعددة، من بينها جهاز الردع، والشرطة القضائية، وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في غرب ليبيا، إضافة إلى الجيش الوطني في الشرق والجنوب. كذلك، حمّل اللواء 444، وجهاز دعم الاستقرار، إلى جانب جهات مجهولة، مسؤولية بعض حالات القتل والإصابة التي طالت الأطفال.ووثقت الأمم المتحدة كذلك 1084 حادثة مرتبطة بمنع وصول المساعدات الإنسانية، وعزت معظمها إلى جهات أمنية مختلفة، معربة عن قلقها إزاء ارتفاع أعداد الضحايا من الأطفال واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني.تأتي هذه المعطيات في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل ليبيا لتحديث المنظومة التشريعية الخاصة بحماية الطفل. وكانت الظاهرة قد استحوذت على جانب مهمّ من نقاشات الحوار المهيكل، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إذ شدّدت التوصيات الختامية على ضرورة حظر تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة والعمل على تجفيف مصادر التمويل التي تغذّي الصراع وتسهم في استمراره.وحضّ غوتيريش السلطات الليبية على تعزيز إجراءات حماية الأطفال وإنهاء احتجازهم وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، فضلاً عن اتخاذ تدابير فعّالة لمنع تجنيد الأطفال وحمايتهم من الاتجار والاستغلال.لماذا تستمر الظاهرة؟سبق لمنظمة يونيسف أن حثّت حكومة الوحدة الوطنية الموقتة في غرب ليبيا على إنشاء آلية مؤسسية تمكّن الدولة من رصد الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال ومعالجتها، وذلك على خلفية تقارير تحدثت عن استمرار عمليات تجنيد الأطفال في البلاد.ورغم أن القوانين العسكرية الليبية تحدد سن التجنيد القانونية بـ18 عاماً، فإن الظاهرة استمرت في مختلف أنحاء ليبيا، شرقاً وغرباً وجنوباً، منذ أحداث عام 2011 وما أعقبها من نزاعات مسلحة.ويقول مدير المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، أحمد حمزة، في تصريح لـالنهار، إن تفشي الظاهرة على نطاق واسع يرتبط بعوامل عدة، في مقدمها غياب المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب، فضلاً عن الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية كالفقر والبطالة والتسرب من التعليم.